المثقف والسياسي
جاء في الخبر الذي ورد في الحلقة النقاشية الخاصة بالاهوار اشارات إلى أهمية ان يتعاون المثقف والسياسي لتحسين الوضع في العراق. ولعلنا نجد في هذه الدعوة زاوية للنظر، ليست جديدة حقاً، إلا انها جادة، في طرح قضية علاقة المثقف بالسياسة، او علاقته بالسلطة، او علاقته بالدولة.في ظروف العراق تطرح هذه المسألة على نحو ملح ، لكنها تحتاج إلى توضيحات اضافية، فضلاً عن انها تحمل في ثناياها، اشكالات الحالة السياسية الراهنة، والعنف المستشري في الشارع، والارهاب الذي تجاوز الحدود.ودعونا ندقق اولاً، فالمثقفون هم اليوم الضحية رقم واحد للارهاب والعنف، وهم بهذا المعنى، في طليعة الناس الذين يطالبون السلطة، وبالحاح شديد، بحمايتهم والحفاظ على حياتهم، فضلاً عن الدفاع عن حياة المواطنين جميعاً.لا نعني بالمثقفين جماعات انجازات محددة، ولا جماعات الادباء والفنانين، وحسب، بل هؤلاء جميعاً مع مجموعة كبيرة من التقنيين والمتعلمين والمتنورين والمهنيين الذين كانوا قد اسهموا في بناء الدولة العراقية. ومن هذا التحديد، الواسع جداً، والذي نفضله، نستطيع ان نستنتج السبب الحقيقي للحقد الدفين الذي يكنه الارهابيون ضد هذه الجماعات، الذين اذا وضعناهم في اطار مشروع بناء الدولة الجديد، فسنجد انهم يشكلون لبنته الاساس، بعد ان اسهموا في بناء الدولة السابقة التي انهارت بعد سقوط النظام السابق.ان ما يجري اليوم من عنف موجه ضد جماعات المثقفين والمتنورين والتقنيين والمهنيين يقربهم موضوعياً - من كل سياسة ترفض العنف وتباشر بناء الدولة على اسس ديمقراطية. بل ان عملية بناء الدولة، وهي مهمة عاجلة، تحتاج إلى هذه الجماعات اكثر من ذي قبل، وهو ما يجب ان يفهمه السياسيون قبل غيرهم.نعم.. من المهم ان يتعاون المثقف والسياسي في المرحلة الراهنة. لكن اذا امعنا النظر جيداً فان كتلة المثقفين العامة هم اليوم موضوعياً تحت رحمة اي نزاع سياسي غير مسؤول يقضي على ما تبقى من حياتنا الوطنية، وعلى نحو خاص، على ما تبقى، او مما باشرنا به، في بناء الدولة الوطنية الجديدة. كما انهم، من جهة اخرى، تحت المطرقة المباشرة للارهاب والعنف.ان الهدف الاساسي الذي يجب ان لا يكون موضع تجاذب غير مبدئي بين السياسيين والمثقفين هو بناء الدولة الديمقراطية. فهنا مربط الحياة الوطنية، هنا مرجع حداثوي من الطراز الاول، وهنا تكمن عملية بناء من نوع خاص تؤشر إلى الابنية كلها، واشكالاتها هي التي تقرر أية سياسة خاصة بإعادة التقييم وتطوير البرامج واعادة تشكيل علاقات من النوع الجديد بين النظام السياسي والمثقفين.دائماً هناك وسط ثقافي سياسي يشد الجميع ويجمعهم معاً.. ولعلّ الدولة، طبيعتها على وجه التحديد، تشكل مقياساً، او مجموعة من المحكات والتجارب التي تجمع المثقف والسياسي في حياة وطنية موحدة.
ما نوقش على طاولات الامس حرية الصحافة.. التعددية.. واقع الفن.. قانون النفط
 

اربيل / المدى

ضمن فعاليات اسبوع (المدى) الثقافي الخامس في اربيل، تستمر اليوم الاربعاء النقاشات حول المحور الثقافي والادبي، والتي ناقشت امس عدداً من القضايا المطروحة على الساحتين العراقية والعربية، فضلاً عن مناقشة وتقديم البحوث والدراسات في المحاور الاقتصادية والفنية.ففي المحور الاعلامي، جرى النقاش حول عدد من المحاور أهمها: الضمانات الدستورية والمادية لصيانة حرية الصحافة والاعلام ، والمعايير والضوابط القانونية لاشغال القضاء العراقي في ضوء التجارب الديمقراطية، والمحور الاخير تركز على تنظيم قانون العمل الصحفي في كردستان العراق في ضوء التشريعات الدولية.وفي المحور الثاني للطاولة جرى حوار حول الضمانات المادية والدستورية لحرية الصحافة. تحدث الصحفي بهمات حسيب قره داغي عن الفرق بين الصحافة في الغرب والصحافة في العالم العربي ولاسيما العراق ، مشيرا الى ان تجربة العراق ولاسيما في اقليم كردستان تميز بالضعف في الاداء الاعلامي نتجت عن تبعية العمل الصحفي للادارة الحزبية والسياسية.وعلى طاولة المحور السياسي والفكري قدم الدكتور حيدر سعيد ورقة بعنوان «ثراء التعددية وشقاؤها»، فيما تطرق الاستاذ محمد عطوان في ورقته المعنونة «اشكالية العنف في النظام السياسي العربي» إلى هذه الاشكالية مشيراً إلى غياب الرؤية لفك الالتباس بين السلطة المواطنية وانحسارها كآلية تعمل وفق سياقات سلطانية.وفي المحور الفني ناقش عدد كبير من المسرحيين والتشكيليين ونقاد السينما الواقع الفني في العراق ثلاثة محاور (التشكيل، المسرح، السينما) ففي المحور التشكيلي تحدث الفنان فيصل لعيبي في ورقة عمل عن تجربته خلال اربعين عاما من الرسم. فيما طرح الناقد عباس جاور في المحور ذاته قضية الوظيفة المتحفية للفن العراقي الحديث.وقدم الناقد خالد خضير الصالحي من محافظة البصرة بحثا تحدث فيه عن تأسيسات حركة الفن التشكيلي العراقي الحديث. واختتم المحور التشكيلي الفنان فيصل لعيبي في الحديث عن الفنان التشكيلي محمود صبري.وفي محور المسرح تحدثت الفنانة شذى سالم عن المسرح وثقافة العصر وقالت :سجلت الحركة الفنية في المائة عام الممتدة من نهاية القرن التاسع عشر تطورا متعددا ومتنوعا ومتوافقا مع التحولات والثورات الاجتماعية والسياسية والفكرية ، واضافت: لقد جاءت الظاهرة المسرحية لتؤكد على قدرة الانسان في التحديث والتجديد والتجاوز ليثبت هذا الانسان الفنان بان المسرح مجال مضيئ وحقل قابل للتجارب المتنوعة.وقدم المسرحي الكردي صباح هرمز قراءة سريعة في المســــــــــــــــــرح الكردي تناول فيها دراسة وتوثيق المسرح الكردي وأرشفته، تحـــــــتديد تاريخ نشأته.في محور السينما طرح النــــــــــــــــــــاقد السينمائي احمد ثامر جهاد من محافظة ذي قار العديد من النقاط للنهوض بواقع السينما العراقية منها: إعادة النظر بشكل تفصيلي بالمؤسسة السينمائية الرسمية وطبيعة هيكليتها، وضع تشريعات قانونية جديدة من شانها دعم البنية التحتية للسينما العراقية وحمايتها من الانقراض، فضلا عن القيام بخطوات عملية لاسترداد صالات السينما من شاغليها وإعادة تأهيلها وفتح مجال الاستـــــــــثمار في هذا المجال، ووضع صيــــــــاغة منفتحة لهوية السينـــــــــما العراقية وإطار انشغالاتها الراهنة والمستقبلية بعيدا عن التقــــــــييد الأيدلوجي.وفي المحور الاقتصادي نوقش قانون النفط والغاز المطروح على مجلس النواب، وقيّم الدكتور عبد الجبار الحلفي القانون قائلاً: «تضمن القانون ديباجة موفقة نصت على ان النفط والغاز هو ملك للشعب، وإن مجلس النواب ستكون له الاولوية في المناقشة والمصادقة على القوانــــــــين الخاصة، وتابع: لكننا نعتقد ان هناك جوانب سلبية بحاجه الى تعديلات جوهرية لضمان ملكية الشعب لثروته الستراتيجية ولكي لا تكون للشركات الاجنبية اليد الطولى في التصرف بهذه الثروة واستنزافها».
التجربة الثقافية العربية: الاسئلة والآفاق
تتواصل فعاليات اسبوع (المدى) الثقافي في مدينة اربيل وسط اجواء من الود والارتياح، وقد خصص الاسبوع في ثالث ايامه محوراً لمناقشة «التجربة الثقافية العربية» اذ القى المشاركون الضوء على واقع الثقافة العربية، وتحدثوا عن همومه واشكالاته، والاسئلة التي يطرحها هذا الواقع وآفاق الشهد السياسي العربي.المداخلة الاولى جاءت من المفكر التقدمي اللبناني كريم مروة التي اشار فيها إلى عدم حصول الانعكاس المرجو من تراكم الثقافة المتنوعة المسارات والرؤى. قال: الكم الهائل للثقافة لم يسهم في احداث تغيير ما كنت اطمح اليه من موقعي الشخصي. لقد كنت اضطر إلى البدء من جديد دائماً.الشاعر والناقد السينمائي السوري بندر عبد الحسين تحدث عن تراجع مساحات الحرية في الحياة الثقافية العربية، واتخذ السينما كنموذج لتأكيد رايه اذ قال ان السينما المصرية - على سبيل المثال - كانت مزدهرة في الاربعينيات والخمسينيات والستينيات على عكس ما نراه اليوم من تراجع لهذه السينما التي اصبحت (سينما مقاولات مبتذلة)، واضاف عبد الحميد ان المؤسسات الثقافية لا تقوم بدورها على نحو مناسب، فهي تضع شروطاً وقيوداً امام الابداع، وخصوصاً السينمائي، تنعكس سلباً على جودة الفيلم، واشاد في ختام كلمته بالمبادرات والجهود الفردية التي تغني خارج السرب، وتقدم تجارب سينمائية ومسرحية وروائية تستحق التقدير.ولم يبتعد المخرج المصري مجدي احمد علي عما قاله عبد الحميد فهو بدوره انتقد واقع السينما المصرية، ووصف الافلام المصرية التي ظهرت في السنوات الاخيرة بانها (افلام المقاولات) التي تصنع بغرض تزجية الوقت، لا بهدف إثارة الاسئلة، وكذلك اعترف المخرج المصري بان البدايات السينمائية في مصر كانت مشجعة وقوية مشيداً بالتجربة الناجحة للاقتصادي المصري طلعت حرب الذي لعب دوراً بارزاً في النهوض بصناعة سينمائية مصرية ناجحة.الناقد التشكيلي اللبناني استعرض هموم الكتاب العربي، وذكر ارقاماً مرعبة حول واقع القراءة في العالم العربي فهناك 70 مليون أمي، كما ان نسبة القراءة في العالم العربي لا تتجاوز (1.1) بالمئة من نسبتها في العالم عموماً رغم ان عدد سكان العالم العربي قياساً إلى سكان العالم عموماً تجاوز (5) في المئة.واشاد بزون بتجربة دار (المدى) التي اتاحت الكتاب المجاني لملايين القراء من خلال مشروع (كتاب مع جريدة)، كما اشاد بسلسلة عالم المعرفة الكويتية التي تصدر شهرياً كتاباً قيماً وتطبع منه (50) الف نسخة تباع النسخة الواحدة بسعر زهيد لا يتجاوز الدولار الواحد معتبراً ان الهدف الاساس لهذه المشاريع وغيرها يتمثل في توسيع دائرة القراءة لكي ينتعش الكتاب الذي يغفو على الرفوف وقلما تعانقه العيون.بعد انتهاء الحلقة النقاشية فتح باب النقاش مع الحضور تناولت د. فهمية شرف الدين الكاتبة اللبنانية المعروفة دور المثقفين العرب بالوقوف مع صدام حسين وقد حاولوا الآن تبرير ذلك بطرق مختلفة.. مؤكدة ان الكثير من المثقفين العرب الآن مع دكتاتوريات اخرى.. ثم تطرقت إلى مسألة البيئة المساندة في مراحل الستينيات والسبعينيات كيف كانت مساندة لشروط الانتاج الثقافي عن طريق انتاج المعرفة.وطرح عدد من المفكرين منهم الاستاذ هاني فحص بعض التعقيبات واختتم الاستاذ فاضل ثامر بخبر مقتل ابو ايوب المصري واستقبل الحضور العرب هذا الخبر بالتصفيق.
جائزة الجواهري للفنانة ناهدة الرماح
اعلن السيد فخري كريم رئيس مؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون مساء امس عن منح جائزة الجواهري الثقافية الكبرى هذا العام للفنانة الكبيرة ناهدة الرماح ومقدارها خمسون الف دولار عن مجمل نشاطها الفني ومسيرتها اللامعة.ويذكر ان الفنانة الرماح من رواد الحركة المسرحية والسينمائية في العراق وقد عانت من عسف السلطة السابقة وقضت اجمل سنوات عمرها في المنافي. وقد قوبل هذا القرار بعاصفة من التصفيق في حفل المساء وباعجاب كافة المثقفين.

ثلاثة معارض.. وسبعون فناناً
صلاح عباس

تالق الفنانون التشكيليون العراقيون، في فعاليات اسبوع المدى الثقافي، المقام، في محافظة اربيل. ففي هذا المعرض، يشارك العديد من الفنانين المقيمين داخل العراق، من اقصى شماله الى اقصى جنوبه، الى جانب معرض الفنان العراقي المغترب، فيصل لعيبي، الذي استطاع ان يحفر اسمه، في ذاكرة الفن التشكيلي العراقي المعاصر، فكما هو معروف عن الفنان، ميله الشديد الى فكرة التأصيل في الفن، واكتساب الهوية. لقد طالعنا الفنان فيصل بسلسلة رائعة من لوحاته الزيتية التي رسم فيها وجوها وحركات للادباء والفنانين العراقيين، امثال: الجواهري، والرصافي، والزهاوي، والحصيري، وجواد سليم وفائق حسن وسواهم من رموزنا الثقافية. كما عرض مجموعة من الرسومات التخطيطية المفصحة عن تمكنه في مجالات الرسوم الكاريكاتورية، والواقعية، فمشاركة هذا الفنان، اضفت احساسا جديداً، ومعنى آخر لقيم الفن عندنا.أن معرض الفن العراقي المعاصر، بكل ما ينطوي عليه من اساليب، يمثل الخلاصة الحقيقية لجهود الفنانين، والصورة المشرقة، التي تميزه عن بقية الفنون في البلدان المجاورة. ففي مجال الرسم شارك كل من الفنانين: نوري الراوي، حسام عبد المحسن، حمد شاوي، فاخر محمد، عاصم عبد الامير، علي عبد الجليل، كريم سيفو، حيدر علي، جعفر محمد، احمد نصيف، فلاح العاني، هادي ماهود، محمد قاسم الزبيدي، ستار درويش، شداد عبد القهار، حسن عبد علوان، فهمي القيسي، ستار لقمان، مهدي الاسدي، مؤيد محسن، وسماء الاغا، ماهود احمد، محمد الكناني، محمد الحمداني، ضياء الخزاعي، ايمان الشوك، عشتار جميل حمودي، نادية محمد ياس، زينب عبد الكريم، سعد القصاب، حسن ابراهيم، حيان عبد الجبار، قاسم السبتي، رشيد علي، سلمان علي، مروان شكري، سيروان شاكر، علي درويش، هيوا عبد الله، زريا عدنان، بشدار نوري، سربست عمر، وهبي رسول، نامق علي، د. محمد عارف، وسردار كيستبتي.وفي مجال النحت شارك كل من الفنانين: طه وهيب، ناصر السامرائي، علي رسن، عبد الكريم خليل، رضا فرحان، نجم القيسي، عامر خليل، علاء الحمداني ، خالد عزت، منذر علي، هادي عباس، علوان العلواني، واياد حامد. اما في مجال الخزف: فقد شارك الفنانون: ماهر السامرائي، اكرم ناجي، قاسم نايف، زيد لقمان، وتركي حسين. ان هذا المعرض الكبير، يعطي الانطباع، بان زرع الثقافة والفنون في العراق، ينمو باستمرار، لتبيان منطق التحدي الابداعي، المواكب للفنون المتقدمة في العالم، على الرغم من الاحداث الهائلة، والمفارقات المرعبة، وفداحة الخسائر، فالفن هنا، يمثل نزوعاً انسانياً وجمالياً يعد امضى من كل آلات الدمار وسبل الموت. كما يؤكد متانة الروابط بين الفنانين القائمة على حب الثقافة الوطنية، بمنأى عن العرقية والطائفية والعنصرية والقومية، فالفن سام بذاته، ومهذب لذاته.والى جانب معرض الفن التشكيلي العراقي المعاصر، هناك معرض استعادي للفنان الرائد نوري الراوي، الذي ضم سلسلة من لوحاته الزيتية والورقية المنجزة في مراحل مختلفة تمتد لاكثر من ستين عاماً. وبين اروقة فندق الشيراتون، دارت مناقشات حول الفن التشكيلي العراقي المعاصر، تاريخاً، وابداعاً، وتم استعراض موضوع الاعمال الفنية المسروقة ومشروع العمل من اجل انجاز المتحف الوطني للفن الحديث، الذي طالته يد الاثم، واللصوصية والتخريب. وقد شارك في هذه المحاور كل من الباحثين: عباس جاور وخالد خضير سلطان، ونوري الراوي، وعفيفة لعيبي، وفيصل لعيبي.ان مواضيع اصدار المطبوعات الفنية الخاصة بالفن التشكيلي والعمارة، ومواضيع ربط الصلة بين فناني الداخل والخارج ومشروع تنظيم المعارض الوطنية داخل وخارج القطر، وتأهيل متحف الغد، كلها مواضيع تستحق الاشارة والبحث والاستقصاء، اثيرت من خلال الحوارات الصريحة والحريصة.لقد تم تلاقي الفنانين على الابداع، بنظرة ملؤها الحب والحيادية، لرؤية الفن الحقيقي، المتماس مع الحداثات في العالم، اقول: انه ثراء المعنى الذي يساعد على رؤية الامل المستقبلي الطموح.

في المحور الفني: المسرح، السينما، الفن التشكيلي اجمعوا على اهمية الدعم.. ثم الدعم!

اربيل / نصير العوام

ناقش عدد كبير من المسرحيين والتشكيليين ونقاد السينما الواقع الفني في العراق ضمن المحور الفني لفعاليات أسبوع المدى الثقافي امس الثلاثاء تحت عنوان (مقومات استنهاض الحركة المسرحية والسينمائية في ظل «التابوات»والتحريم) قسمت الجلسة على ثلاث محاور (التشكيلي و المسرح والسينما ) في محور التشكيلي تحدث الفنان فيصل لعيبي في ورقة عمل عن تجربته خلال اربعين عاما من الرسم.فيما طرح الناقد عباس جاور في المحور ذاته قضية الوظيفة المتحفية للفن العراقي الحديث قال فيه : تتصدى هذه الورقة الى موقع الوظيفة المتحفية في نظرية الدولة الاتصالية بمدخل عام؛ وكيف يغدو» المتحف الوطني» رديفا رمزيا» للعلم الوطني» و»النشيد الوطني» ولعل السلوك السياسي للدولة الحديثة يشير الى ان معظم الدول وعلى مختلف مرجعياتها الايديولوجية كانت تجد في هذه الوظيفة - بوتقة للاندماج الادراكي في الداخل- ووسيلة للتعريف بخطابها الحضاري بأتجاه الاخر. واضاف تخبرنا التجارب ان بعض الامم تمترست وراء الوظيفة الثقافية والمتحفية لاسيما في مراحل الانكسار المادي بوصفها «خط الدفاع الاخير» لتحقيق التماسك المعنوي واعادة هيبتها الدولية (النموذج الفرنسي بعد هزيمة نابليون مثالا) كما ان بعض الدول الصغرى هي الاخرى ادركت هذه الاهمية لاسيما تلك التي تعيش مرحلة الرفاه الاقتصادي، فعمدت على انشاء العديد من المتاحف المتخصصة لتعظيم ادوارها في المحيط الاقليمي والدولي تحسبا لمراحل مابعد نضوب مصادر ثرواتها الاستخراجية، واشار الى ان وصول الاهتمام الى التوجه لشراء مجاميع متحفية عالمية او التعاقد لاقامة فروع في مدنها لاشهر المتاحف العالمية (النموذج دولة الامارات العربية المتحدة) فقد اشترت مجموعة متحف كوكنهايم للفن المعاصر عام 2005؛ ومشروع اقامة فرع لمتحف اللوفر في ابو ظبي عام 2006. وتابع: من خلال منهاجية الانتقال من العام الى الخاص في هذا الموضوع، نجد ان هذه الوظيفة كانت حاضرة في مدركات النخب العراقية منذ تاسيس الحكم الوطني تبعا لثراء الحضارة العراقية، فقد أسست دائرة الاثار في مطلع العشرينيات من القرن الماضي كما شرع قانون الاثار القديمة، وافتتح المتحف العراقي عام 1923 في مبنى القشلة ثم نقل الى بناية في شارع المامون ببغداد.وقدم الناقد خالد خضير الصالحي من محافظة البصرة بحثا تحدث فيه عن تأسيسات حركة الفن التشكيلي العراقي الحديث، وقال بدأت تاسيسات حركة الفن التشكيلي العراقي الحديث في أوائل الثلاثينات، وتولت (وزارة المعارف) إرسال البعثات الفنية للدراسة خارج العراق. وتعتبر عودة البعثات الفنية، قبيل وأثناء وبعد الحرب العالمية الثانية إلى بغداد، بداية الحركة الفنية الحديثة في العراق، ولاسيما انها شكلت ما يسمى بمرحلة الرواد التي تأثرت بالتجارب الأوربية. واشار الى اقامة أول معرض فني زراعي صناعي ببغداد ضم بعض اللوحات الفنية ، اشار ايضا الى اصدار اول كتاب لقواعد الرسم على الطبيعة للرسام عاصم حافظ في عام 1935، وفي عام (1936) أقام الفنان حافظ الدروبي أول معرض شخصي في بغداد . واختتم المحور التشكيلي الفنان التشكيلي فيصل لعيبي في الحديث عن الفنان التشكيلي محمود صبري ، وقال لم تجمعني بالفنان الكبير محمود صبري مناسبة ما داخل العراق إذ انه كان قد غادره الى الخارج قبل وصولي الى بغداد قادما من البصرة للدراسة في معهد الفنون الجميلة بصحبة صديق الحياة والعمر الفنان القدير صلاح جياد , بعد ان بذل اساتذتنا في البصرة ما في وسعهم لإنضاجنا وتهيأتنا كرسامين للدخول الى المعهد .واضاف كل ما اعرفه عن استاذنا الكبير محمود لايتعدى ماكنت اشاهده من طوابع بريدية ملصقة على اغلفة الرسائل التي تصل الى البيت حيث كان اخي الأكبر غازي من عشاق ركن التعارف في الصحف العراقية والأذاعات العربية وكان محمود صبري قد قام بتصميمها بعد ثورة 14 تموز عام 1958 , حيث العيون الواسعة كالعيون السومرية والأجساد القوية ولكن المنهكة التي ابدعتها انامله وفكره وعاطفته . في بغداد شاهدت صورة مطبوعة لعمله الشهير : ثورة الجزائر , وكذلك بعض الصور لأعماله الأخرى والتي سيظهر تأثيرها علي بعد فترة واضحا . ولد محمود صبري - والحديث ما زال لفيصل - عام 1927 ببغداد, اي بعد عام من ميلاد رواد الحداثة في الشعر العربي المعاصر ( نازك الملائكة و السياب والحيدري والبياتي ) , واكمل الدراسة الثانوية فيها ثم سافر الى بريطانيا واتم فيها دراسته للعلوم السياسية عام 1949 وبعد عودته الى العراق انضم الى جماعة الرواد التي اسسها الفنان الكبير فائق حسن عام 1950.واضاف: لقد أسهم محمود في وضع اللبنات الأولى للفن العراقي الحديث وعمق المفاهيم التي كانت سائدة قبل مجيئه من بريطانيا , ولما كان محمود من حملة الفكر التقدمي اليساري فقد ادخل في الحركة الفنية العراقية مفاهيم الجمال الماركسية واكد في اعماله موقفه المساند للطبقات الكادحة صاحبة المصلحة الحقيقية في التغيير واثار انتباه الفنانين الى المحتوى الإجتماعي للفن ودوره الموجه والمغير والطليعي في حياة المجتمعات على مر العصور , كما ان انشغاله في الرسم لم يمنعه من تعميق رؤيته الثورية وعلاقة الفن بالحياة العامة للناس , لهذا نراه في تلك الفترة يؤكد على مايعانيه المهمشين في المجتمع خاصة فقراء الفلاحين الذين سحقتهم المدينة التي كانوا يتصورونها ملاذاً آمناً لهم , ونرى كذلك جموع العمال والكادحين يحتلون مساحات واسعة من اعماله آنذاك, وتوغل في الأزقة والشوارع الخلفية للمدينة وكشف لنا عن بيوت الهوى وعذابات بناتها اللواتي قذفت بهن الأقدار ولفظتهن التقاليد والعادات والأعراف السائدة. واخيراً دعا لعيبي مؤسسة المدى الى انقاذ محود صبري من الفقر الذي يعانيه الان. بعدها فتحت ابواب المناقشة، فتحدثت التشكيلية عفيفة لعيبي عن اعمال التشكيليين العراقيين في هولندا الذي بلغ عددهم (700) تشكيلي وقالت: استطعنا اقامة معرض في هولندا بالتعاون مع الحكومة الهولندية فضلا عن اقامة ورش عمل.في محور المسرح تحدثت الفنانة شذى سالم عن المسرح وثقافة العصر وقالت :سجلت الحركة الفنية في المائة عام الممتدة من نهاية القرن التاسع عشر تطورا متعددا ومتنوعا ومتوافقا مع التحولات والثورات الاجتماعية والسياسية والفكرية ، واضافت لقد جاءت الظاهرة المسرحية لتؤكد على قدرة الانسان في التحديث والتجديد والتجاوز ليثبن هذا الانسان الفنان بان المسرح مجالا مضييا وحقلا قابل للتجارب المتنوعة ، واشارت الى ان المسرح الحاضر بتجاربه المتنوعة واضافاته النوعية ، وحواره مع الثقافة الانسانية والتجارب المسرحية التي تعد ظاهرة صحية تعطي لوجوده بعدا انسانيا ملتحما مع النهضة العالمية للمسرح .وقدم المسرحي الكردي صباح هرمز قراءة سريعة في المسرح الكردي قال فيها: يبدو من الصعب على المهتمين بدراسة وتوثيق المسرح الكوردي وأرشفته، تحديد تاريخ نشأته، بسبب وجهات نظرهم المتباينة بشأن تأريخ أول عرض، إلاّ أنهم لايختلفون في كون ملحمة (مةمى ئالان) لمؤلفها عبد الرحيم هةكاري أول نص مسرحي كوردي، مما حفز البعض منهم لربط بدايات نشوء المسرح بهذا النص، والبعض الآخر بمسرحية ملحمة (مةم و زين) لأحمدي خاني المنشورة عام 1919 في مجلة (بانطي كوردستان)، واضاف: هذه المسرحية يرى الفنان فهمي سلمان انها نُشرت في جريدة (ذين) الاستانبولية عام 1918، في حين يشير الفنان كاوه أحمد ميرزا الى عرضها في مدينة السليمانية عام 1935.وتابع:هنــــــــــاك رأيٌ آخر يعتـــــــقد أن نص (لولا المحامي) الذي ترجمه فؤاد رشـــــــــيد بـــــــــــــــــــكر من اللغة العربية الى الكوردية هو أول عرض مسرحي قُدَّمَ في السليمانية عام 1926 تحت عنوان (علم وجهل)، وبالمقابل ثمة من يدحض هذا الرأي، ويدعي بأن أول عرض مسرحي كوردي لم يُقدم في مدينة السليمانية وانما في مدينة أربيل عام 1905، وهو نص مسرحية (الأمير الأسير) لمؤلفه نعوم فتح الله سحار، ويعتقد صاحب هذا الرأي الى أنه حتى في حالة عدم صحة تقديم هذه المسرحية عام 1905 في أربيل، فهناك مسرحية أخرى تحت عنوان (صلاح الدين الأيوبي) قدمت فيها عام 1921، الأمر الذي يجعلنا ان نُقر أول عرض مسرحي قُدم في اربيل فهناك مسرحية آخرى تحت عنوان (صلاح الدين الايوب) قدمت فيها عام 1921 الامر الذي يجعلنا أن نقر بأن اول عرض مسرحي قدم في اربيل وليس في السلمانية.في محور السينما طرح الناقد السينمائي احمد ثامر جهاد من محافظة ذي قار العديد من النقاط للنهوض بواقع السينما العراقية منها: إعادة النظر بشكل تفصيلي بالمؤسسة السينمائية الرسمية وطبيعة هيكليتها، وضع تشريعات قانونية جديدة من شانها دعم البنية التحتية للسينما العراقية وحمايتها من الانقراض، فضلا عن القيام بخطوات عملية لاسترداد صالات السينما من شاغليها أيا كانوا وإعادة تأهيلها وفتح مجال الاستثمار في هذا المجال، ووضع صياغة منفتحة لهوية السينما العراقية وإطار انشغالاتها الراهنة والمستقبلية بعيدا عن التقييد الأيدلوجي .، ودعا الى الخروج من منطق العاصمة، ودعم النوادي السينمائية في المحافظات بالوسائل التقنية والفنية وتسهيل عمل القائمين عليها وتأسيس نوادي أخرى وفقا لضوابط فنية تسهم في إشاعة الثقافة السينمائية بين الجمهور المتلقي.، دعم التجارب السينمائية للشباب واجتذاب الهواة منهم للسينما عبر تقديم تسهيلات مادية وخبرات فنية وإقامة ورش عمل تفعل مشاريعهم السينمائية، فضلا عن تمكين النقاد السينمائيين العراقيين عمليا لأجل إصدار مطبوع سينمائي يعنى بالشأن السينمائي العراقي على نحو خاص ويعرف به وتشخيص الوسائل الكفيلة بجذب رؤوس الأموال العراقية وغير العراقية للاستثمار في مجال السينما وفقا لتشريعات خاصة تستفيد من تجارب دول العالم المتقدم.كما دعا الى تأســـــــــــــيس مهرجان سينمائي عراقي سنوي للاحــــــــــــتفاء بالأعمال السينمائية العراقية المتميزة وتكريم مبدعيـــــــــــها،و الاهتمام الجدي بمستوى أقسام السينما في المعاهد والجامعات العراقية وتمكينها من كافة احتياجاتها ودعم الطلبة الموهوبين لتطوير خبراتهم وإنضاج مواهبهم الفنية، وفي تداخلات لعدد من المشاركين قال الفنان سامي قفطان لا أدري لماذا هذا التعمد في تغييب السينما العراقية واضاف: ماقدم من افلام سينمائية عراقية لاتمت للمجتمع العراقي بصلة، لماذا لانتذكر افلام القطاع الخاص الجيدة مثل الحارس وارحموني ولا اريد ان اذكر فلم سعيد افندي لانه حالة ايجابيه خاصة.

اختصاصيون يناقشون قانون النفط والغاز

أربيل/ حسين الشهابي

استؤنفت أمس على قاعات فندق الشيراتون طاولة المدى الاقتصادية التي خصص محورها لقانون النفط والغاز المطروح على مجلس النواب. شارك في طرح بحوث أمس كل من الدكتور عبد الجبار الحلفي (المستشار العلمي لمركز دراسات الخليج العربي في جامعة البصرة) والدكتور نبيل جعفر عبد الرضا (أستاذ في كلية الإدارة والاقتصاد في جامعة البصرة) والمهندس الدكتور كفاح محمد مهدي الجواهري (خبير في الشؤون النفطية). قدم هؤلاء السادة البحوث الآتية: (مناقشة قانون النفط والغاز العراقي الجديد)، و(قراءة نقدية في مسودة قانون النفط الجديد)، و(قانون النفط والغاز من المستفيد من الاستعجال في تشريعه) على التوالي.جاء في بحث الأستاذ الحلفي: «إن أية سياسة تتخذ بشأن الثروة النفطية في العراق ينبغي أن ترتكز على أسس عقلانية توفر الحماية الكاملة لملكية الشعب لهذه الثروة». وتابع: «ومنذ سقوط النظام البائد في العام 2003 ، تسعى اطراف عدة من داخل الحكومات المتعاقبة في عراقنا لاعطاء حق تطوير اكثر من (60) حقلاً نفطياً للشركات متعددة الجنسيات وبخاصة الامريكية منها». وأضاف: « إن ستراتيجية الحروب الامريكية من اجل الطاقة هي لضمان ما يسميه الخبراء الامريكيون بـ(الضم الستراتيجي للطاقة) ولذلك فإن قانون النفط والغاز في العراق قد تم اعداده متضمناً (عقود المشاركة في الانتاج ـ PSAs ) تحت مسمى آخر هو (التنقيب والانتاج). والذي يمنح الشركة الاجنبية فرصة لايجاد صيغ قانونية ومالية معقدة يسطرها قانونيون مختصون بهذا الشأن. يمكن تأويلها لصالح الشركات متعددة الجنسيات ذات التقنيات العالية في صناعة النفط والخبرة في العقود والاتفاقيات والاندماجات».وقيّم الحلفي القانون قائلاً: «تضمن القانون ديباجة موفقة نصت على ان النفط والغاز هو ملك للشعب، وإن مجلس النواب ستكون له الاولوية في المناقشة والمصادقة على القوانين الخاصة.. لكننا نعتقد ان هناك جوانب سلبية بحاجه الى تعديلات جوهرية لضمان ملكية الشعب لثروته الستراتيجية ولكي لا تكون للشركات الاجنبية اليد الطولى في التصرف بهذه الثروة واستنزافها».وانتقد الحلفي المادة المادة (9) الخاصة بمنح التراخيص قائلاً: «هذه المادة هي من اخطر المواد في القانون اذ تنص على منح تراخيص العمليات النفطية على اساس (عقد تنقيب وانتاج) بين الوزارة او الهيأة الاقليمية وتخص عراقي او اجنبي، لان معنى (تنقيب وانتاج) ينصرف الى مفهوم عقود المشاركة في الانتاج ومن غير الممكن أن تدخل شركة النفط الوطنية مع الشركات الاجنبية في منافسة عند طرح المقاولات أو العقود. واقترح إضافة على المادة (9): « ان تحديد المقابل النقدي الذي يدفع للشركات الاجنبية عند الاستعانة بالشركات الاجنبية لأغراض التطوير، يجب أن يرتبط بنتائج التطوير ومعدلاته حتى لاتلتزم شركة النفط الوطنية (او شركة نفط الجنوب) بمبالغ كبيرة دون تحقيق النتائج المستهدفة. ودون ان يكون للشركة المتعاقدة معها اي تدخل بالنفط المنتج ولا بملكيته. ولابكيفية ادارته ولابكميته أو قيمته. أي ان الأجر الذي تحصل عليه الشركة المتعاقد معها مرتبط بتحقيق نتائج محددة وليس ببذل جهد تطوير مبهم».ارشادات عامة :وأوصى الحلفي بجملة من الإرشادات التي من شأنها يمكن لقانون النفط والغاز أن يكون فعالاً وقادراً على تحقيق غاياته من بينها: الكشف عن جميع العقود المتعلقة بالتراخيص، والكشف عن الايرادات النفطية (دخل النفط)، وفصل الايرادات النفطية عن بقية الايرادات، والكشف عن جميع الحسابات المصرفية الوطنية والاجنبية التي تدفع فيها عوائد النفط.الدكتور نبيل جعفر وصف مسودة قانون النفط والغاز العراقي الجديد بأنها متناقضة تماما مع المادة (29) من الفصل السابع لقانون الاستثمار الاجنبي الذي صادق عليه مجلس النواب في 10/10/2006 ، والتي نصت على استثناء الاستثمار الأجنبي في مجال استخراج وإنتاج النفط والغاز». وتابع مشخصاً العيوب التي يحويها القانون: «أن مسودة القانون لم تكتب بلغة اقتصادية رصينة اذ لم يميز المشرع بين الواردات والايرادات، الاولى تعني الاستيرادات والثانية تعني العوائد (عوائد الصادرات النفطية في القانون) وبالتالي لايمكن لاحدهما ان تكون بديلة عن الاخرى، وهذا يشير الى عدم وجود أي اقتصادي ضمن فريق العمل المكلف بتشريع هذا القانون».واستطرد عبد الرضا: «جاء في الفقرة (ت) من المادة (5) من الفصل الثاني، ان يراعي في تشكيل المجلس الاتحادي تمثيله للمكونات الاساسية للشعب العراقي، هذا الامر ربما يقود الى تكريس المحاصصة وبالتالي الى إضعاف قدرة المجلس في اتخاذ القرارات، فضلا عن ذلك فأن مسودة القانون تشير في حالة عدم إقرار المجلس للعقد المقدم إليه خلال مدة (60) يوما فإن العقد يعد نافذا، هذا المبدأ غير مقبول لأن المجلس الاتحادي هو السلطة العليا وبالتالي يجب أن لا تقترن موافقته بمدة ملزمة». وتابع: «هناك اشارات واضحة في مسودة القانون الى عقود التنقيب والانتاج في حين لم يذكر المشرع اسم عقود مشاركة الانتاج، بينما المفهوم الواضح بالقانون عن عقود التنقيب والإنتاج هي نفس مفهوم عقود المشاركة المعروفة عالميا وغير المرغوب فيها في الصناعة النفطية المملكة بالكامل للقطاع العام، ولاسيما في الحقول المكتشفة العملاقة مثل غرب القرنة ومجنون وشرق بغداد وغيرها، واذا كان ثمة اختلاف بين مفهومي عقود التنقيب والمشاركة فالمفروض ان توضح في القانون، ويبدو ان قانون النفط في كردستان كان اكثر شفافية من القانون الاتحادي إذ استعمل تعبير عقود مشاركة الإنتاج».وختم عبد الرضا كلامه بالقول: « أعطت مسودة القانون الاقليم أوالمحافظة المنتجة حق التفاوض مع الشركات الاجنبية لاستثمار حقولها النفطية وهو مايضعف القدرة التفاوضية للطرف العراقي ويشتتها وبالتالي يفتت الصناعة النفطية الوطنية التي تحتاج الى المركزية في التفاوض والرقابة والاشراف خاصة وان الشركات الاجنبية ذاتها على ماتمتلك من موارد هائلة فأنها تندمج وتتكتل فيمابينها للحصول على المزيد من الاحتياطيات النفـــــــــــــــــطية في العــــــــــــــالم ، كما ان تجزئة القدرة التـــــــــــــــــفاوضية العراقية ستنعكس لاحقا في صفــــــــــــقات نفطية هزيلة للطرف العراقي ومكاسب كبيرة للشركات الاجنبية ، ولذلك ينبغي ان تؤول مهمة التفاوض بشركة النفط الوطنية حصرا لاسيما وان الايرادات العامة للدولة بما فيها الايرادات النفطية ستوزع كما تقول المسودة توزيع عادلا على الشعب العراقي وفقا لاحكام الدستور».المهندس محمد الجواهري قال أن مشروع هذا القانون لا يخضع لجدلية عدم خلود القوانين وإمكانية تعديلها متى ما شاء مجلس النواب ذلك، أو تطلبت الظروف المستجدة، أو حصول تعديلات دستورية، لأن وضع القانون موضع التنفيذ وعقد اتفاقية بموجبه سيكبل العراق لأربعة عقود قادمة على الأقل، قبل استحقاق تنفيذ التعديلات إن حصلت. وأضاف: «إن المطلع على هذا المشروع سيتوصل بسهولة إلى استنتاج بسيط ومباشر، أن العنوان الحقيقي لهذا القانون هو (قانون عقود التنقيب والإنتاج وآلية التعاقد بخصوصها)، وإذا وضعنا جانباً المواد المتعلقة بهذه العقود وما يتعلق بالمجلس الاتحادي وهيئات الأقاليم، سنجد أن بقية المواد في إطارها العام موجودة في القوانين السابقة ومطبقة في الممارسة».وتابع الجواهري مستعرضاً بعض الفقرات من المشروع: «بعد أن تشبع الشركات المتفضلة علينا من نفطنا وغازنا وتقرر إنهاء عقدها بعد 33 سنة للنفط و35 سنة للغاز وفق ما تنص عليه المادة 13، فإننا ملزمون بإعادة جميــــــــــع كلف استعادة الموقع والكـــــلف المرافقة تصبح مستـــــــــحقة عند التحويل فيما يتعلق بأي أعمال ومرافق يتم دفعها من قبل شركة النفط الوطنية الــــــعراقية ومالكي تراخيص الإنتاج الآخرين بموجب خطة إنهاء التكليف المقدمة بمقــــــتضى المادة 9 من هذا القانون». وتابع: «وهنا تجــــدر الإشارة إلى أن مشروع القانون يفتح السقف الزمني للشركات المتعاقدة ويعطيها حق الحجز المسبق للحقل، فوفق المادة 13 الفقرة ب التي تنص (ما لم يكن هناك حاجة لوقت إضافي لإتمام العمليات لتقييم الاكتشاف، فإن الحق الحصري للاستكشاف والإنتاج..) وبالتالي فإن بإمكان الشركة المتعاقدة وقف أعمالها بعد فترة وجيزة من بدءها العمل، بحجة عدم توفر الأمن، على سبيل المثال، وتود للعمل متى تشاء، ولا يوجد في القانون نص يمنعها من ذلك». وأشار الجواهري إلى عدم تضمين المشروع أي إشارة للعقوبات الممكن اتخاذها من قبل الدولة في حال إضرار الشركات بالمصالح العراقية.وختم بالقول: «بعد كل هذا هل يمكن استغراب الحماس للرئيس الأمريكي بوش وضغطه الأشد لإمرار هذا المشروع للمصادقة عليه، وإذا كان حماس بوش ورغبته مبررين لتأمين مصالح الشركات الأمريكية، فما الذي يبرر عجالة السلطة العراقية في التفريط بثروات البلاد؟».
 

الأقربون والأبعدون ..معاً

انطباعات، افكار ، نيّات ..حملها لنا ضيوف اسبوع المدى الثقافي الخامس.وفيما يأتي بعضها

*جمع ملتقى (المدى) الثقافي الاقربين والابعدين ومنحهم فرصة اللقاء النادر والحوار الصريح والمحبة الوطنية الضرورية من اجل البقاء وقتاً اضافياً على ارض التوقعات والآمال.

تحية لـ (المدى) وصاحبها فخري كريم وتحية لضيافة كردستان السخية.

محمد خضير

*ليس سهلاً أن تقيم مهرجاناً كهذا وليس أن تقاوم العنف الغرائبي المدجج بعقول الشياطين بالكلمة النبيلة وباللوحة والأغنية والمسرحية وكيف تنحت الكلمة وتشحنها في سورة هذا الخراب لتعيد للإنسان نفسه وللوردة لونها وعطرها. نبارك لـ (المدى) هذا الجهد الثقافي الخالص لوجه العراق. العراق الذي لا نريده ان يموت ولن يموت.

الشاعر موفق محمد

« اسبوع المدى مضخة هائلة للثقافة يكاد يكون المصدر الوحيد لهكذا تجمع منوع وقادر على تحويل معنى المهرجانات إلى طاقة دافعة قادرة على رسم الاتجاه الصحيح».

صادق الصائغ

*نجاح اسبوع (المدى) متحقق لحدّ الآن، كونه قد حذف المسافة ما بين العراقيين في منفى الداخل ومنفى الخارج. غير ان هذا الاسبوع العظيم يشكو من المبالغة في الكرم الكمّي والنوعي في المدعوين، وهو ما أربك إدارة (الأسبوع) في سعيها لإرضاء وإراحة الجميع لاسيما وهم جميعاً من نجوم العراق في الثقافة والأدب والفن وفي مجالات الوعي الإنساني كافة.

نرجو لهذا الملتقى الكبير المزيد من النجاح وندعو للقائمين عليه بطول العمر وطول الصبر من أجل العراق الجديد.

كاظم الحجاج

*الأسبوع الثقافي فرض جميله لتعرف الفنانين والادباء العراقيين على بعضهم البعض الآخر... يمكن كادت تكون الفرصة الوحيدة لجميع الناس ذوي الاهتمام الفني والادبي في هذا الزمن الصعب..

بالنسبة لي كانت فرصة عظيمة لعرض صوري وافلامي إلى مجموعة من مثقفي العراق الذين كنت أتمنى ان اراهم واتعرف عليهم.شكراً إلى مؤسسة (المدى) التي جمعت العراق كله.

قتيبة الجنابي

*اسبوع (المدى) الثقافي ملتقى جمع عدداً كبيراً من الادباء والفنانين والمفكرين، كان لقاءً اخوياً وثقافياً معاً، ناقش فيه المجتمعون الظواهر الفكرية والاجتماعية والفنية وآمل ان يكون لكشوفاتهم ما يعمل على معالجة تلك الظواهر في المجال الفكري. ان اسبوعاً ثقافياً كان في حقيقته جهداً استثنائياً.

تحية خالصة لـ (المدى) وصاحبها الاستاذ فخري كريم وكردستان التي ضمت هذا الجمع الثقافي بضيافتها الكريمة.

محمود عبد الوهاب

«حتى الآن الأسبوع أثار دهشتي وخصوصاً للعدد الكبير المشارك والتنوع الحاصل في الاختصاصات.. أعتقد أن هذه التجمعات الثقافية تجعل المشاركين فيها أمام مهمة تجسير الهوة بين فئات الشعب وبهذه الطريقة يمكن أن يقدموا خدمة كبيرة للشعب.

رينيه تايكلو

رئيس منظمة حماية التراث خلال الازمات والحروب

«المدى أخذتنا إلى أبعد مدى وجعلتنا نتجاوز ما موجود في العراق، ونحن ننظر لهذا الأسبوع بواقعية من ناحية الاهتمام بالمثقفين العراقيين، ونتمنى من المؤسسات الأخرى أن تحذو حذو المدى بإقامة أسابيع أخرى تعبر عن وحدة الصف ونبذ كل الخلافات لها.. «إن الإنطباعات لا يمكن وصفها بالكلمات سوى أن تكون حاضراً هنا وتشارك في هذا المهرجان الجميل».

عباس الياسري

عضو هيئة الامناء لهيئة الاعلام والاتصالات

*مهرجان (المدى) خطوة رصينة وواعدة في مسار الثقافة العراقية والعربية المعاصرة. وهو فسحة لتلاقح الافكار والرؤى من اجل تحويل الشائع المتهالك إلى فورة عارمة وخلاقة في بناء عراق جديد فدرالي ومتعدد وموحد وآمن.

عريان السيد خلف

*ان هذا المهرجان حقاً تجمع ثقافي حيث التقى به خيرة مثقفي العراق وان كان يدل على شيء فأنه يجمع كل شرائح الثقافة العراقية الأصيلة لذا فان مؤسسة (المدى) نقف لها بالإجلال والتقدير على القائمين بهذه التظاهرة الثقافية العالية ونحن فناني البصرة نشكر لكم هذه الدعوة ولكم الموفقية.

خالد خضير

*اسبوع (المدى) لم يكن فقط تظاهرة ثقافية انما هو تجسيد للحضور والفاعلية الثقافية حيث تتعرض ثقافة العراق وانسان العراق وحضارة العراق لتدمير بربري من قبل كل القوى الغاشمة الظلامية دولياً.. ان مزيداً من الاموال والثروات يجب ان تنفق على هذه التظاهرة التي يجب ان تتكرر.

 

قصي الخفاجي

الضمانات الدستورية والمادية لصيانة حرية الصحافة والاعلام

اربيل / المدى

الجلسة الحوارية المتخصصة في مجال الاعلام وحرية الصحافة ومتطلبات صيانة العمل الاعلامي عقدت يوم أمس الثلاثاء، وتراسها الدكتور فالح عبد الجبار بحضور عدد من الشخصيات الصحفية والاعلامية المعروفة في العراق، جرى النقاش حول عدد من محاور أهمها: الضمانات الدستورية والمادية لصيانة حرية الصحافة والاعلام ، والمعايير والضوابط القانونية لاشغال القضاء العراقي في ضوء التجارب الديمقراطية، والمحور الاخير تركز حول تنظيم قانون العمل الصحفي في كردستان العراق في ضوء التشريعات الدولية .في هذه الجلسة طرح موضوع هيئة البث والارسال ولاسيما مجلس امناء هذه الهيئة . حيث تحدث رئيس امناء هيئة البث والارسال عبد الحليم الرهيمي عن تاريخ تاسيس الهيئة منذ عهد الحاكم المدني للعراق (بريمر) وحتى تعيين المجلس الأخير برئاسة الرهيمي نفسه ، وقد اشار الى ان الاعلام شهد تدخلات حكومية بما يخالف وظيفة الاعلام الذي يجب ان يتمتع بالحيادية وغير خاضع لضغوط الحكومة . الا ان ماحصل هو ان الحكومات المتعاقبة اخذت تتدخل في سياسة اعلام الهيئة.اشار الكاتب والاعلامي حمزة الحلفي إلى ان وظيفة مجلس امناء هيئة البث والارسال ليس من مهامها تسيير الاعلام او تكون مسؤولة عن كل ماينفذ ضمن قنوات الاعلام التابعة لشبكة الاعلام المرئية منها والمقروء، مشددا على ضرورة قيام مجلس الامناء بايضاح مهامه الموكلة اليه عبر مؤتمر موسع يبين فيه وظيفته وتخصصاته . اما الكاتب والاعلامي زهير الجزائري فاشار الى ان الكثير من الثغرات التي رافقت عمل شبكة الاعلام العراقية، جاءت من اشكالية عدم الفصل بين الدولة والحكومة ، متسائلا هل الهيئة تابعة للدولة ام الحكومة ؟ موضحا ان المشاكل التي رافقت عمل الهيئة والتدخلات الواسعة للحكومة تمثلت باشكال عديدة وصل بعضها الى حد الانقلابات لتغيير رئيس ير صحيفة كما حصل في جريدة الصباح . ويرى الاستاذ فائق بطي ضرورة التاكيد على ايجاد قوانين رقابية بشأن العمل الصحفي متزامنة مع اصدار قانون شرف ينظم عمل الاعلام والصحافة . وفي المحور الثاني للطاولة جرى حوار حول الضمانات المادية والدستورية لحرية الصحافة. تحدث الصحفي بهمات حسيب قره داغي عن الفرق بين الصحافة في الغرب والصحافة في العالم العربي ولاسيما العراق ، مشيرا الى ان تجربة العراق ولاسيما في اقليم كردستان تميز بالضعف في الاداء الاعلامي نتجت عن تبعية العمل الصحفي للادارة الحزبية والسياسية. بينما رأت الكاتبة والصحفية سلوى زكو ان العراق لم يتحول الى الديمقراطية الحقيقية ، بسبب عدم وجود تقاليد واضحة للعمل الاعلامي ، حيث لاتوجد ضمانات للعمل الصحفي من سلطة الحكومة التي قد تتخذ قرارات باغلاق اي قناة او اي صحيفة من دون ضمانات، فضلا عن ان الصحفي لا يتمتع بضمانات من صاحب الصحيفة او القناة، يضاف الى ذلك ضعف الدعم الذي يشكل عائقا كبيرا امام العمل الاعلامي الحر والمحايد، وشددت زكو على ضرورة اصدار قانون ينظم العمل الاعلامي والصحفي ليحمي العاملين فيه . في المحور الثالث من الطاولة قدم نقيب صحفيي كردستان فرهاد عوني سردا عرضاً عن تاسيس الصحافة الكردية ومسيرتها وصولا الى الاستقرار الذي شهده الاقليم، حيث اتسع العمل الاعلامي وسمح لاكثر من 500 مؤسسة اعلامية من قنوات وصحف بالعمل بموجب اجازات رسمية وتراخيص محددة، وعرج عوني على قانون العمل الصحفي الصادر عن اقليم كردستان كاشفا النقاب عن وجود لجنة موسعة مكونة من نقابة الصحفيين والاساتذة الجامعيين واعضاء في البرلمان الكردي لاصدار قانون خاص ينظم العمل الصحفي والاعلامي. وقرأ عوني نص القرار الذي تضمن مشروع قانون تنظيم العمل الاعلامي والصحفي .ومن جانب آخر وضمن المحور الرابع للطاولة اثار الصحفي الكاتب حمزة الحلفي مسألة استباحة الفضاء العراقي وظاهرة الاجازات الممنوحة لعدد من الفضائيات بامر من سلطة الائتلاف وباسعار زهيدة جدا ، مبينا ان عمل هيئة الاتصالات والاعلام هي الآن معطلة فيما تتلق بقانون المحاسبة الذي يحدد الجهة الاعلامية التي تخرق ميثاق العمل الاعلامي ، وخاصة في مجال التحريض على الطائفية والفتن بانواعها فضلا عن عدم وجود جهة استئناف قانونية، كذلك فقدان العراق للمعايير التي تحدد استثمار الفضاء العراقي كما في بقية الدول التي تحدد ماديا استثمار الترددات التي تكون ضمن فضاء التابع لحدو الدولة.

في الجلسة الشعرية

تنويعات اساليب وفضاء تجارب

في الجلسة الشعرية التي اقيمت صباح الثلاثاء القى عدد من الشعراء مجموعة من قصائدهم.. كانت القاعة قد ازدحمت ووقف الكثير من الحضور في حضرة الشعر يستمعون إلى صور شعرية مختزلة كانت هي الصفة الغالبة على القصائد.قدم الجلسة الروائي علي بدر بلغته الجميلة التي تضمنت الكثير من الالتفاتات الذكية والطريفة وهو يقدم الشعراء للجمهور.كان اول الشعراء شاعر كردستان الكبير شيركو بي كه سه وقد قرأ عدداً من قصائده المعبرة عن الدهشة بالحياة وعن روح الطبيعة وتمرد الشاعر وحبه لوطنه وتمتعه بالضوء واللون.وأنشد الشاعر كاظم الحجاج عدداً من قصائده القصيرة التي سماها بـ «الومضة» معبرةً عن اليومي الذي التقطه الحجاج ليضعه حياً في اطار شعري خاص اتقن الشاعر لعبته الضاجة.ثم القى الشاعر موفق محمد جزءاً من مطولته الشعرية عن محلة «باب الطاق» الحلية التي تحتضن نهر الفرات حيث تعايش الام النهر وتهدهده على فخذها ليعيش معها ومع احلام الطفولة وآلامها.وكان الشاعر عدنان الصائغ الذي اجترح جزءاً من تجربته الشعرية النابعة من الوطن قادراً على ايصال روح التجربة الخاصة إلى الجمهور حيث عايش منافي الغربة وهو يعيش الوطن وحيداً.خاتمة الجلسة كانت مسكاً تجسد في قصائد الشاعرة الكردستانية كَجال أحمد التي عبرت عن فتنة الشعر بإحساسها الأنثوي الواثق من القدرة على احتواء الطبيعة.وقد قرأت (كجال) قصائدها باللغتين العربية والكردية وكانت هي وقصائدها صورةً شعرية جميلة أمتعت الجمهور وشدته إليها.وبذلك كانت هذه الجلسة الشعرية صورة صادقة للشعر وهو يقاوم الارهاب والموت بالحب والدهشة والايمان بالحياة مع تنوع دراما الشعراء وترانيمهم الشجية.

من النموذج الواحد إلى آفاق التعددية

كاظم الواسطي

على طاولة المحور السياسي والفكري قدم الدكتور حيدر سعيد ورقة بعنوان «ثراء التعددية وشقاؤها» حيث طرح وجود مفارقة في حمل الدستور العراقي لعامي 1925 - 2005 صفة (الدائم) في ظل الاحتلال، وأن الاحتلال نفسه هو الذي أتاح امكانية المصادقة الشعبية على ذلك. ولكن في الحالتين كان الدستور فضاء للصراع بين مكونات المجتمع العراقي بدلاً من ان يكون عقداً سياسياً بين الجماعات العراقية لتنظيم العلاقة بينها.ويفترض الباحث وجود منظورين رئيسين كتب من خلالهما الدستور الاخير الاول هو تصفية الحساب مع الماضي والثاني منظور اسلامي يعبر عن ارادة هيمنة تفرضها القيادات التي كتبت الدستور الذي لا يتضمن فيتو متبادلاً بل منح الاغلبية ممارسة السلطة بدون قيود. وعبر الباحث حيدر سعيد بان جزءاً من الحل يكمن في الخروج من النظام البرلماني إلى النظام الرئاسي بسبب اشكاليات الوضع الحالي.ويتطرق الاستاذ محمد عطوان في ورقته المعنونة «اشكالية العنف في النظام السياسي العربي» إلى هذه الاشكالية ويشير إلى غياب الرؤية لفك الالتباس بين السلطة المواطنية وانحسارها كآلية تعمل وفق سياقات سلطانية، ويرى بأن القوى السياسية الموجودة في السلطة او خارجها هي القادرة على فك هذا الالتباس وايجاد الحلول المناسبة لمشكلة فشل الفرقاء السياسيين في الحوار وإدامة الاختلافات. ويعرج الاستاذ زهدي الداودي في بحثه المعنون «مفهوم الاصلاح السياسي ومتطلباته: كردستان العراق نموذجاً» إلى أن الشعب الكردي هو من اعرق شعوب الشرق الاوسط وإن لهذا الشعب دوره المميز واسهامه في حضارة وادي الرافدين ومنذ الالف الثالث قبل الميلاد. واشار إلى ان بقاء هذا الشعب على اطراف الامبراطوريات وهوامشها وكان قوة قتالية في الصراعات منذ ازمان بعيدة.ويطالب بعودة هذه الامة إلى وعيها وان تبني مجتمعها وفق اسس ديمقراطية، وعبر اصلاح جديد لتلك الاسس. ويدعو الباحث إلى اهمية دمج الادارتين في الاقليم دمجاً فعلياً يحقق التطور والإصلاح.وفي ورقته المعنونة «موقف الفكر العربي الاسلامي في ظاهرة تغييب الاصلاح السياسي وعلاقتها بالارهاب» يعتبر الاستاذ عقيل محمد ان تحرر العراق من الاستبداد هو اولى الخطوات في الاصلاح السياسي.ويعتبر التجربة الانتخابية في العراق فريدة نوعها في المنطقة بغض النظر عن بعض السلبيات التي ينبغي عدم التركيز عليها وتجاهل الايجابيات في هذه التجربة. واشار الباحث إلى أنه لولا ايجابيات هذه التجربة لما امكننا تحقيق لقائنا هذا» اما المفكر العربي شاكر النابلسي فقد تحدث في ورقته المعنونة «ضعف التيار الديمقراطي في العالم العربي» عن زعم البعض بعدم امكانية تحقيق الديمقراطية لاننا محصنون ضدها وهناك جينات لدينا ضد الديمقراطية. ويشير المفكر النابلسي إلى العديد من الاسباب التي تضعف الديمقراطية في العالم العربي، دينية، ثقافية، فكرية، علمية، سياسية، وحتى اسباب جغرافية - ويؤكد على ان الاسباب الاجتماعية لعدم انتشار الديمقراطية هو عدم احترام قيمة الانسان العربي وغياب التعليم، والصراعات الطائفية والقبلية واختفاء الطبقة الوسطى وغياب السياسة من فكر العامة. وفي الجانب السياسي فان ضعف الديمقراطية يسببه تمسك بعض الأنظمة بالقرآن كدستور ولكنها لا تطبق احكام هذا الدستور. وهناك ايضاً ضعف قوى المعارضة وغياب برامجها السياسية الفاعلة.وهناك مداخلات اهتمت بموضوعة التجربة العراقية واشكالياتها ومشاركات كثيرة من قبل الحاضرين انتهت بالملاحظات والآراء المختلفة.

ويبقى حلم العراق
زهير كاظم عبود

ويبقى الحلم العراقي قائماً في صدور العراقيين، بل وتحقق حلم نهاية الدكتاتورية وايقاد شموع الديمقراطية، وصار حجم الحلم منسجماً مع حجم الامل المتجذر في النفوس التي شبعت من الضيم والظلم والحزن.ويجيء الاسبوع الخامس الثقافي لـ (المدى) ليضيف لهذا التوقد والحلم الذي سيبقى ازلياً ما بقي العراق، واعادة الثقة بارواحنا على الثبات والاستمرار في تأسيس كل ما خربته الدكتاتورية، وكل ما هدمته من قيم وحتى كل ما نخرته الطائفية والارهاب، من اجل إعاقة تأسيس معالم العراق الجديد.يجيء اسبوع (المدى) الخامس وهذا التجمع الثقافي يعبر عن المناعة الثقافية التي تصد كل بوادر الانهيارات، ومضادات تقاوم كل الامراض سعياً إلى مجتمع ديمقراطي سليم.واذ نتذكر الجواهري، فانما نستعيد مع هذا التذكر حقبة تاريخية من النضال العراقي يمكن اختزالها بهذا الرمز، ولكن ان تتوجه (المدى) لان تعمل على استعادة معالم الفن الأصيل الذي تجسده لوحات فيصل لعيبي او الصور الفوتوغرافية للفنان قتيبة الجنابي، او الاماسي التي يحييها فؤاد سالم او حسين نعمة او ياس خضر مع كل ما تم تقديمه من مسرحيات هادفة تشكل رافداً يصاحب الطاولات المستديرة والمحاور المتعددة التي تسعى اليها ايام (المدى) الثقافية من اجل استعادة الواقع الثقافي العراقي وما خربته الدكتاتورية في روح الثقافة العراقية.ثمة هاجس لم يزل يشغل بال العديد من الحريصين على مستقبل الثقافة العراقية، ماذا تم استماره من ايام (المدى) السابقة؟ وماذا حقق هذا المهرجان؟ وهل استوعب هموم المثقف العراقي في الشتات؟ هل ان مجرد جمع هذه النخب من المثقفين العرب والعراقيين هو المهم وتحقيق تواصلهم ولقاءاتهم هو ما يطمح اليه المؤتمر؟ ام ان حلماً آخر تريده الثقافة العراقية، وتسعى اليه مؤسسة (المدى)؟اللافت للنظر ان فكرة (المدى) تأسست قبل سقوط الدكتاتورية، واستمرت حتى بعد قيام العراق الجديد، مع مهمة جديدة ووطنية مطلوبة تقوم بها (المدى) في استمرارها دعم واحياء هذه الايام الثقافية المنتجة من اجل استشراف المستقبل الذي يحقق احلامنا.ان تعيد الثقة للمثقف بلزوم استمرار العطاء واسهامه الاساس في التغيير، وان تعيد المبدع إلى مكانته التي حاول النظام البائد شطبها والغاءها، وان تعيد الثقة بقدرة الثقافة العراقية على الارتقاء إلى المستوى الثقافي الذي كانت عليه، حتى يمكن الاستناد والصعود إلى مراحل اكثر عطاءاً، لم نزل متمسكين بتحقيقها.المشاركة الفعالة من مبدعين جعلت هذه الايام عرساً ثفافياً مهماً في الحياة العراقية، وتشير الصور التي عرضها الفنانان مقداد عبد الرضا وعلي طالب إلى جزء من الاشارة الواضحة للحياة العراقية التي يراد لها ان تتزامن مع العصر الجديد والعراق الجديد، وتحدياً لكل ما يمكن ان يسعى اليه الارهاب في خراب الثقافة العراقية ورموزها كما حصل في شارع المتنبي.لذا ليست فقط المحاضرات النظرية ما تتطلبه ايام (المدى)، فاننا نتطلع إلى اقتراحات عملية، ودراسات تنبع من الواقع، واستنهاض الهمم لاطفاء الحرائق والتصدي للطائفية والشوفينية، وان يسعى الجميع دون تخصيص متضامنين لتأسيس جدران المواجهة الصلبة التي تعيد للعراق تألقه الثقافي وقدراته على خلق الابداع الانساني الذي طالما كان يتميز به من خلال الطيف المتنوع.لذا علينا ان لا نفكر فقط بهذا التجمع الذي وفر لنا فرصة اللقاء الممتع، ولا في فسحة الفكر الذي يتيح لنا الاستماع للرأي الآخر، المطلوب ان نستمع لبعضنا البعض للتعرف على ما تعانيه الثقافة العراقية حقاً من تحجيم وخراب، حتى يمكن ان نسعى إلى ترميم الخراب وتأسيس ثقافة صحية بعيدة عن الطائفية والشوفينية والمحاصصة من خلال هذا اللقاء الثقافي المهم، ومن خلال المحاور والطاولات المستديرة والبحوث الجادة والمهمة للباحثين والكتاب، وبالتالي من خلال النتائج التي تتوصل اليها لجان المحاور والتوصيات المقدمة من قبل المؤتمرين.نعم، نحن بحاجة ماسة لنعطي معالم عملنا للايام القادمة، وان نسعى جميعاً لهذا العمل من اجل ثقافة تعددية يتسع لها صدر العراق وتليق بالمثقف العراقي.وكلنا ثقة بان (المدى) التي تفرش روحها لا تريد اياماً سياحية، انما تشترك فعلاً في ان تمنحنا الفرصة لاثبات قدرة المثقف على توسيع دائرة المواجهة التي يتطلبها الظرف الراهن والوقوف في صف الشعب من اجل ان نستعيد وهج الايام العراقية وزهوها وان تكون الثقافة والابداع الحتمية التي تستظل بها.ونعود لنذكر بان اختيار الجواهري من قبل (المدى) استحقاق وتقدير لهذا الرمز العراقي الكبير، كجزء من مجمل عملية تعدد سبل النهوض بهذه الثقافة التي تخلصت من براثن الدكتاتورية، والمهم ان يكون اللقاء انعكاساً حقيقياً لما يحلم به المثقف العراقي ويطمح إليه المواطن العراقي الذي لم يزل ينتظر فعل المثقف.ولا يستطيع المثقف العراقي فقط ان يطفئ الحرائق!!ولا يستطيع المثقف العراقي فقط ان يرمم الخراب!!انما يستطيع بكل ثقة ان يتحدى الارهاب والطائفية وينتصر عليها لأنه يستند إلى قاعدة متينة وعريضة مع بقاء الحلم العراقي في صدور العراقيين مستمراً ان يكون لهم وطن تحت الشمس ضاحك كما تموجات دجلة، رقراق كماء الفرات وان نستعيد للعراق الحياة الديمقراطية التي طالما حلم بها المثقف العراقي مهما تنوعت اطيافه.

مرثية الثلج لجميل روستمي:قصيدة سينمائية عذبة

على غرار السينما الايرانية التي لجأت إلى الرموز والاساطير والثقافة الشفاهية الفارسية الغنية، ينجز المخرج الكردي الايراني جميل روستمي فيلمه «مرثية الثلج» الذي حظي بالاعجاب والتقدير في مختلف المهرجانات، وحاز جوائز كثيرة.في هذا الفيلم يسطر روستمي بكاميرته الذكية قصيدة سينمائية عذبة مفعمة بالحزن، وبتراجيديا مؤلمة تخاطب الوجدان والمشاعر، وعبر ايقاع هادئ وسلس يخترق روستمي عزلة احدى القرى الكردية على الحدود العراقية الايرانية باحثاً في ثناياها عن قسوة البشر، ويختبر ارواحهم البيض كبياض الثلوج التي تكلل قمم الجبال الشامخة.وسط هذه الحياة القاسية، التي تطهر النفس، يرصد المخرج قصة حب شفافة ربطت بين (روزين وجيان) غير ان بؤس العاشق يدفعه لهجر الحبيبة الجميلة إلى صيدلي كي يحصل على مال قليل يستطيع به الزواج من حبيبته، لكن الخبثاء يسعون دائماً إلى تشويه الجمال، وهو ما يحدث في هذا الفيلم الذي ينتهي بشكل مؤلم.استطاع روستمي ان يترجم الكثير من طقوس، وتقاليد، وثقافة تلك المنطقة الجبلية النائية المتمسكة بأعراف وقيم بالية، كما نجح في التقاط صور غنية بالدلالات لبيئة مجهولة لمشاهد تساءل بهمس: اين يوجد كل هذا الألم، وكل هذا الجمال؟وإذ يصعب تقديم قراءة كافية للفيلم في هذه العجالة، فإنه لا بد من القول ان هذا الفيلم يبشر بولادة مخرج مجتهد، يتعامل مع عدسته بذكاء، ويدير الممثلين باقتدار، ويستطيع كذلك ان يقرأ امام ابصارنا حكاية حب غارقة في عتمة المعتقدات المتجذرة، ونقية - في الآن ذاته - كنقاء عيون تلك الممثلة التي أدت دور العاشقة بعفوية أيقظت في دواخل المشاهد الكثير من الجماليات الغافية والمنسية وسط هيمنة القيم الاستهلاكية.

مدحت قلادة: جغرافية العنف: التطرف الديني والجهل
اربيل /ماجد طوفان

يُعدُ المجتمع العربي وبما يتوافر على قوميات واقليات ومذاهب من المجتمعات التي لم تعرف حرية التــــــــــــــــــــــــــــعبير عن الرأي ولم تتمتع بمعنى «المواطنة»، وبقيت هذه المصطلحات مكتوبة في الدساتير العربية فقط وليس لها حظ من التطبيق.من ضيوف مهرجان (المدى) هذا العام الاستاذ «مدحت ملادة» العامل في (منظمة الدفاع عن الاقليات والمرأة في الشرق الاوسط وشمال افريقيا) والتي تعرف اختصاراً بـ (ميموا) وكانت لنا معه هذه الوقفة:*كيف تقرأ حرية المواطن العربي.. وتحديداً حرية التعبير عن رايه؟-لا يمكن القول ان هناك تعاملاً انــــــــــــــــــــــــــسانياً من الحكومات والانظمة تجاه المواطن العربي، فحرية الرأي مكفولة للمواطن في معظم الدساتير العربية، ولكن هذه الدساتير هي عبارة عن ديكورات تمظهرية فقط، وحق المواطن العربي منها هو كم الافواه والاعتقال والسجون فقط، لذا من الصعب القول يوجد أطر قانونية يمكن ان تحمي المواطن.*الجغرافية العربية حافلة بالاقليات والديانات المختلفة. لو اردنا ان نسقط ضوءً على هــــــــــــــــــــذه الاقليات. كيف هو وضعها في ظل المناخ المتوتر في المنطقة الآن؟-الاقليات في العالم العـــــــــــربي مهمشة وغير معترف بها، ولا يمكن وضع معيار في هذا الاطار - وهذه مفارقة - فاقلية في احد البلدان العربية تتحكم في الاكثرية وفي خط معاكس تضطهد الاقليات من قبل الاغلبية. ويمكن ان نرجع سبب هذا الاضطهاد والتهميش إلى عاملين:الاول. نمو التطرف الديني والثاني تضخم الجهل وعدم وجود ثقافة واضحة لحقوق الانسان.*ما مستوى تعامل السلطة مع هذه الاقليات؟-تتعامل وفق قاعدة (فرق تسد) والهدف سيــــــــــــــاسي محض الغرض منه كسب الشارع الســـــــــــــياسي. وهؤلاء محرومون من حقوقهم الثقافية والدينية، وينسحب هذا الحرمان على تعيــــــــــــــــينهم في الوظائف الحكومية ايضاً.*بصفتك تعمل في منطقة للدفاع عن الاقليات والمرأة (ميموا). ما الذي يمكن ان تقدمه هذه المنظمة؟-نحن نتبنى قضايا المرأة والاقليات ومحاولة حل هذه المشاكل سلمياً وذلك بالاتصال بمؤسسات حقوق الانسان والمنــــــــــــــظمات العالمية، محاولين ان نضغط على الحكــــــــــــــــــومات بهذه الوسائل بغيـــــــــــــــة التخفيف عن اضطهاد المرأة وما تتعرض له من عنف والوصول إلى منطقة، ولو وسطية، بين الحكومات وهذه المجتمعات.*في كلمة اخيرة ماذا تود ان تقول؟-اشكر الله انني عايشـــــــــــت التغــــــــــــــــــــــــــييرات في كردستان العراق وعرفت ما تتميز به هذه التجربة من تـــــــــــــــــــــــــــسامح وحب ومودة سواء تجاه العراقيين او غيرهم.

وحدها البصرة تعزف «الخشابة»!

يعد فن الخشابة من الفنون التي اشتهرت بها محافظة البصرة منذ القدم هناك فرق عديدة أدت هذا الفن الجميل من خلال جلسات السمر التي كانت تحييها. كانت هذه الفرق تسمى (شدة)، وكما هو واضح فالشدة هو ما يشد اولئك الفنانين الذين اخلصوا لبعضهم البعض، واخلصوا، قبل كل شيء، إلى فن الخشابة. إذن هناك شدات مثل (شدة ابو دلم وشدة حسين بتيور وشدة ملا عدنان وشدة ابو خميس وشدة محمد بنور وشدة رمضان ابو راسين وشدة تومان العبد) في بداية السبعينيات ظهرت من خلال السهرات البصرية التي قامت بتسجيل نشاطها تلفازياً في تلفزيون البصرة وبغداد مثل فرقة نقابة الفنانين وفرقة اتحاد نقابات العمال وفرقة تلفزيون البصرة.في بداية السبعينيات كنت احد المهتمين بهذا المجال واجريت مسحاً شاملاً في مناطق البصرة فوجدت أن اشهر الفرق كانت فرقة مله عدنان التي مارست هذا اللون من الفن الاصيل وفرقة حسين بنور فضلاً عن مشاهير من غنى المقام البصري او على الطريقة البصرية اي بمصاحبة الايقاعات والصفكَة البصرية.واشهر المقامات التي غنيت هو مقام البهرزاي ومقام الحكيمي ومقام المخالف ومقام الشرقي رست.هناك مطربون اجادوا غناء المقام البصري بأداء يختلف عن الطريقة التي يغنى بها المقام في بغداد حيث كان يغنى بدون اي آلة موسيقية وترية فقط بمصاحبة طبول الخشابة.كانت هناك في كل شدة مغني البستة، ومن ابرز من غنى المقام البصري والبستة البصرية. الفنان سليمان السحلي. وعبد الرزاق الطلال ومحمد ضوبان ومحسن الصانع وحميد ياسر وحميد مجيد وفاضل حجية ورشاد احمد وحمد النجدي وميثم احمد وسلام البصري وباقي العبد وابو قيس وابو عتيكة وحميد الحيدري وستار الحجي وقاسم الملا وسعيد الفبري.

زمن الهروب.. وزمن الرجوع!
دعيت إلى بيت أحد الرسامين على غداء في عمان عام 1998. وجدتني مع خمسة رسامين متضايقين من حياتهم في وطنهم. تحدثوا عن الرسم، والنقد، والمشاريع الفنية المنفذة والمؤجلة، لقد بدا لي أن ذلك كان توطئة لحديث يتناول قضايا أخطر.. وبالفعل، فما ان انتهوا من مشاكل الارض، حتى حلقوا فوق القارات في فرار لا تخشى نتائجه.. فرار مما سموه «الشرق الاوسط»، وقبل ذلك، فرار من الوطن.كانت لكل واحد منهم خطة، وما أثارني أنا الكسول، هو أن جميع الخطط كانت تصف أخطاراً مهولة، من انتظارات، واستخدام الطائرات، والقطارات، والزوارق، والانفاق، والتعامل مع سلطات حدود قارية ومحلية ومناطقية.كنت مندهشاً من كونهم تحدثوا عن مواقع جغرافية لم اسمع بها طيلة حياتي، وبدوا كأنهم يسيرون على هدي خريطة حفظوها عن ظهر قلب، مع توصيات، وتحذيرات معقولة، واصدقاء ينتظرونهم بعد عبور كل الف كيلومتر، مهيئين لهم مآوي ساحرة ووجبات طعام ساخنة، وسكائر وأحاديث وو..أحدهم انتبه إلى دهشتي التي راحت تتحول إلى بلادة يائسة، كان على أية حال يبدو في مظهر من اكتشف طريقاً غير معروف يمر عبر المحيطين الهادي والاطلسي. فكان يهز رأسه مبتسماً لي، كأنه يقول: لا تخف ايها العزيز.. إنما هي شمرة عصا!حين تحدث عن (شمرة العصا) هذه، تخيلت سماوات مرعبة وحاقدة، وجبالاً تصرع الابطال، ومهربين يخرجون مطاويهم ويغيبونها في بطون سيئي الحظ من امثالي.شمرة عصا! يا للرحمن: تعبر افريقيا من شرقها حيث قطعان الابقار إلى غربها حيث المراكز القديمة لتجارة الرقيق الابيض، ومن واحد من الموانئ المعروفة هناك، ترحل بك طائرة بمحركين، تهبط بك على جزيرة، قريبة من ميامي؟ أكالوبولكو؟ (نسيت الاسم) لكنها جزيرة حقاً، ومن هناك، ربما إلى كوبا، ومن كوبا إلى فلوريدا، ومن فلوريدا إلى المكسيك، وأرض تشيلك وأرض تحطك.. يا حبيبي.. يا عيني.. يا تاج راسي.. يا صديقي.. ستسمع ببغاء جميلة تتحدث بلغة المايا والازتيك.باختصار لطفاً!-كنت متضايقاً وخائفاً.قال: من هناك.. تصل ببساطة إلى السويد!ما هالني بعد هذه الاجتيازات المهولة للقارات ان الجماعة المستمعة عدت هذا الطريق تبسيطاً شديداً للأمور.قلت وأنا الجم صرخة: كل هذا التعقيد تسمونه تبسيطاً!؟ ماذا حدث يا أولاد!؟ ما الذي حدث لكم.. ماذا يحدث لنا؟!استعدت هذه الحادثة - التي أحلف إنها حقيقية - وأنا استمع إلى الصديق المسرحي فاروق صبري الذي يعيش في نيوزيلندا، والذي وجهت إليه الدعوة لحضور اسبوع (المدى) الخامس في اربيل.صحت فيه: جئت من نيوزلندا.. يعني من كعب العالم.. من كعب أخيل.. من تحت أرض النار.. من ثقب الأوزون.. من الثقب الأسود.. من..؟هزّ رأساً واقعياً هو المسرحي الايمائي وقال: بالطبع. - قلت له: أرجوك.. لا تقل إنها شمرة عصا! أجاب: لا.. لا.. آه لو تدري كم تعذبت.. 24 ساعة طيران، لم انم.. لم آكل.. طيران.. طيران حتى وصلت أربيل..-ولكن..-لو تأخرت ساعة واحدة لكان علي الوصول بعد انتهاء الأسبوع.. لكن احمد الله ان المصادفة خدمتني. فجئت قبل بداية الأسبوع بأربعة أيام.ومرة أخرى وجدتني أندهش، وهذه المرة، لا من طريق الهروب، بل من طريق العودة.يا للطول.. يا للزمن.. طيران.. طيران.. وأنا أخاف الطيران.. أرتعش من لوعة الانفصال عن الأرض. أخشى من كل لوعة.ثمة فرق - بالطبع - بين زمن الهروب وزمن العودة. لكن لاحظوا كيف ان علينا ان نأتي مبكرين جداً (قبل اربعة أيام)، إنما، في كل الأحوال، نرجو أن لا تزداد المدة ونتأخر!